نجيب الدين السمرقندي
374
شرح الأسباب والعلامات ( شرح نفيس الكرماني )
وهي تعمّ خلقا كثيرا لعموم السبب « 1 » ولما تختلط الأبخرة الرديئة السميّة من أبدان هؤلاء المحمومين بالهواء المستنشق ، فإذا وصل هذا الهواء إلى قلب الغير أثر فيه ذلك الأثر وأفسد عليه مزاجه وأخلاطه وروحه من المستعدّين لها لأن التأثير لا يحصل من الفاعل وحده ما لم يكن للمنفعل استعداد لقبول اثر الفعل من الفاعل ، فإنّ من كان بدنه نقيا من المواد الفاسدة أو كان مزاجه مضادّا لتلك الكيفية العفنة لم يحصل ضرر ولولا ذلك لعمّت الآفة بجميع الناس عند عروض الوباء والوجود بخلافه وهم الممتلئون من الأخلاط الرديئة المناسبة لذلك الهواء فيسرع تأثيره فيها الواسعة المسامّ فيكثر وصول ذلك الهواء إلى داخل بدنهم الضعاف الأبدان مثل الذين يكثرون الجماع ؛ لأن عروقهم ومسامّاتهم تكون أوسع وقواهم أضعف عن دفع الحرارة الغريبة عن القلب وعن التصرف في الرطوبات وحفظها وصيانتها عن العفونة . وعلامتها : أن تكون هادئة الظاهر مكربة الباطن في الأكثر ، لما يتعفن الخلّط المحصور في القلب وما حوله فتنفصل عنه ابخرة حادّة سمية إلى القلب ويحدث فيه الكرب ولا تصل إلى ظاهر البدن لقلتها فلا يظهر فيه كثير حرارة للعليل ولا للّامس حتى إذا انتشر ذلك الخلّط المتعفن في جميع البدن وعفن ما فيه من الأخلاط ويتواتر النفس معها لشدة الاشتعال وينتن لاستحكام العفونة في القلب وفي آلات التنفس وفيما فيها من الأخلاط فيتكيف بها الهواء المستنشق وينتن بالمجاورة ، ولما يختلط به من الأبخرة الدخانية المنتنة ويلزمها الكرب والعطش لسخونة القلب والغشى لضعف القلب وتأذيه من الهواء المتعفن السمّى وتخرج بالقىء والبراز أشياء سمجة « 2 » سوداوية منتنة لفساد الأخلاط وشدة عفونتها وذوبانها . ومن علاماتها : أن تعمّ وتكثر في الناس بل في سائر الحيوانات وأن تكون علامات الوباء ظاهرة في الهواء من قلّة المطر وكثرة الضباب ، فان المطر إنما
--> ( 1 ) . هو تعفن الهواء وفساده وقد يكون السبب العام هو ردائة الماء المشروب وفساده أيضا فإذا لم يكن له اثر ظاهر يظن أن تلك الحمى بسبب الهواء وهو أولى من غيره لقوة تأثيره لأنه كثير الملاقاة للبدن وأما من خارج [ فظاهر ] وأما من داخل فعند النفس ومع ذلك وصوله إلى القلب ونواحيه من الضروريات ولا كذلك غيره . ( 2 ) . أي : قبيحة .